محمد سعيد رمضان البوطي

54

فقه السيرة ( البوطي )

لي بيتا ، فخط لهما جبريل عليه الصلاة والسلام ، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل حتى أصابه الماء فنودي من تحته حسبك يا آدم فلما بنياه أوحى اللّه إليه أن يطوف به ، وقيل له : أنت أول الناس وهذا أول بيت ، ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح صلى اللّه عليه وسلم ، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه » . ثم قال البيهقي : تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعا ، ومعلوم أن ابن لهيعة ضعيف لا يحتج به ، وهنالك روايات وآثار أخرى قريبا في المعنى من هذا الذي رواه البيهقي إلا أن جميعها لا يخلو من ضعف أو نكارة . وقيل أيضا : إن أول من بناه شيث عليه الصلاة والسلام . فتكون الكعبة - إذا اعتمدنا هذه الآثار والروايات الضعيفة - قد بنيت خمس مرات خلال الدهر كله ، غير أن الأولى هو اعتماد ما ثبت يقينا من ذلك ، وهو أنها بنيت أربع مرات كما أوضحنا ، وأما ما وراء ذلك وما بين هذه المرات فنكل علمه إلى اللّه عز وجل ، عدا عما لحقها من ترميمات وإصلاحات بعد ذلك . ثالثها : مدى حكمة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في تدبير الأمور ، وسياسة القضايا ، وقطع دابر الخصومات ، وبين من ؟ . بين أقوام قلما قامت بينهم خصومة ثم نامت قبل أن تراق فيما بينهم بسببها الدماء ، وقد وصل بهم الخلاف كما تعلم إلى درجة كاد أن ينشب فيما بينهم القتال ، فقد قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي على الموت ، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم ، ومكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ، دون أن يردها إلى الوفاق أي رأي أو تدبير ، حتى كان خمود نار الفتنة على يد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ونحن ينبغي أن نحيل هذه المزية فيه عليه الصلاة والسلام إلى ما اختاره اللّه له من القيام بعبء الرسالة والنبوة ، قبل أن نحيلها إلى العبقرية التي جبل عليها والذكاء الذي فطر عليه . فالأساس الأول في تكوينه عليه الصلاة والسلام : أنه رسول ونبي ، ثم تأتي المزايا الأخرى كلها من عبقرية ودهاء وذكاء مبنية على هذا الأساس ولا حقة به . رابعها : مدى سمو منزلته بين رجال قريش على اختلاف درجاتهم وطبقاتهم ، فقد كان ملقبا عندهم بالأمين ، وكان محبوبا منهم كلهم ، وكانوا لا يرتابون في صدقه إذا حدث ، وفي كريم أخلاقه إذا عومل ، وفي عظيم إخلاصه إذا ما استعين به واعتمد عليه . وهذه ظاهرة تكشف لك عن مدى الحقد والعناد اللذين امتلأت بهما أفئدة هؤلاء أنفسهم ، بعد أن جاءته الرسالة من عند اللّه ، وأخذ يبلغها إلى هؤلاء الأقوام الذين قابلوه بالتكذيب والعناد والإيذاء .